سيد محمد طنطاوي

209

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

على أعماله التي عملها في الدنيا ؟ إن كان يحسب ذلك فهو في وهم وضلال ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين ، وأن تعاقب المكذبين . والاستفهام في قوله : * ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى . . ) * للتقرير ، والنطفة : القليل من الماء و * ( يُمْنى ) * يراق هذا المنى في رحم المرأة . أي : كيف يحسب هذا الإنسان أنه سيترك سدى ؟ ألم يك في الأصل قطرة ماء تصب من الرجل في رحم المرأة وتراق فيه ؟ بل إنه كان كذلك . ثم * ( كانَ ) * بعد ذلك * ( عَلَقَةً ) * أي : قطعة دم متجمد * ( فَخَلَقَ فَسَوَّى ) * أي : فخلقه اللَّه - تعالى - خلقا آخر بقدرته ، وسواه في أحسن تقويم ، كما قال : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . . . وجملة * ( أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) * بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة . أي : أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة ، الذي أحسن كل شيء خلقه : والذي خلق الإنسان في تلك الأطوار المتعددة . . . أليس ذلك الإله صاحب الخلق والأمر . * ( بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) * وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى ، ليجازى الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى ؟ بلى إنه لقادر على ذلك قدرة تامة . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال : سبحانك اللهم وبلى . فسئل عن ذلك فقال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول ذلك « 1 » . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوي

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 309 .